محمود سالم محمد

506

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

القسم الثاني - البديع : غلبت الصنعة البديعية على معظم شعر العصر المملوكي ونثره الفني ، حتى أصبحت خاصة يعرف بها أدب ذلك العصر ، فقد فتن أهل ذلك العصر بزخرف كلامهم مثلما فتنوا بزخرف أبنيتهم وألبستهم وأدواتهم ، وعدّ التجويد أو الاستزادة في البديع مما يتفاضل به الأدباء ، ومما يدل على مهارتهم وتفوقهم . ولم يكن شعر المدح النبوي بمنأى عن هذه الصنعة البديعية الطاغية ، فظهر البديع في قصائد المدح النبوي بدرجات متفاوتة ، فمن الشعراء من حاول مجاراة الأقدمين في مدحه ، فلم يترك البديع على شعره إلّا ظلالا باهتة ، ومنهم من اعتدل في اصطناع البديع ، ومنهم من أسرف في اصطناعه إلى أن انقلبت قصائده إلى معرض لفنون البديع ، لا يهمه بعد إثباتها في شعره إن جارت على أسلوبه ومعانيه جميعها ، وأتت على حساب دقة المعنى وتدفق الشعور وصدق العاطفة ورونق الصياغة والشاعرية . وقد أطلقت تسمية البديع على قسم من علم البلاغة الذي يشمل مباحث المعاني والبيان والبديع ، ويراد به تحسين الكلام وتنميقه ، ومعرفة أسرار جماله ومعانيه ، أو كما قال الحلي : « إن أحق العلوم بالتقديم ، وأجدرها بالاقتباس والتعليم ، بعد معرفة اللّه العظيم ، ومعرفة كلامه الكريم ، وفهم ما أنزل في الذكر الحكيم ، لتؤمن غائلة الشك والتوهيم . . ولا سبيل إلى ذلك إلا بمعرفة علم البلاغة وتوابعها من محاسن البديع اللتين بهما يعرف وجه إعجاز القرآن . . » « 1 » . وفنون البديع معروفة منذ القدم في الكلام العربي ، أخذ الأدباء يهتمون بها مع تقدم الزمن ، ويقصدون إليها قصدا ، بعد أن كانت تقع في كلام العرب عفو الخاطر ، إلى أن جاء ابن المعتز ، ووضع كتابه ( البديع ) ، فدلّ على بعض أنواعها وحدّدها ، وفتح بابا

--> ( 1 ) الحلي : شرح الكافية البديعية ص 51 .